الذهبي
491
سير أعلام النبلاء
ببغداد من قاضيها أبي عبد الله الدامغاني ، ورزق الله التميمي ، وأبي عبد الله الحميدي ، وعدة . وتفقه أيضا عند أبي بكر الشاشي ، ونزل بيت المقدس مدة ، وتحول إلى الثغر ( 1 ) ، وتخرج به أئمة . قال ابن بشكوال : كان إماما عالما ، زاهدا ورعا ، دينا متواضعا ، متقشفا متقللا من الدنيا ، راضيا باليسير ، أخبرنا عنه القاضي أبو بكر بن العربي ، ووصفه بالعلم ، والفضل ، والزهد ، والاقبال على ما يعنيه ، قال لي : إذا عرض لك أمر دنيا وأمر آخرة ، فبادر بأمر الآخرة ، يحصل لك أمر الدنيا والأخرى ( 2 ) .
--> ( 1 ) يعني الإسكندرية ، وكان سبب إقامته بها ما شاهده من إقفار المساجد والمدارس من طلاب العلم والعلماء بسبب ملاحقة العبيدية لعلماء السنة ، وتشريدهم ، وقتلهم ، وإيذائهم ، فأقام بها رحمه الله إلى أن وافته المنية ينشر العلم ، ويفقه الناس بأمور دينهم ، ويوثق صلتهم بكتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه السلف الصالح المشهود لهم بالخيرية على لسان خير البرية . وكان يقول : إن سألني الله تعالى عن المقام بالإسكندرية - لما كانت عليه في أيام العبيدية من ترك إقامة الجمعة ومن غير ذلك من المناكر التي كانت في أيامهم - أقول له : وجدت قوما ضلال فكنت سبب هدايتهم . وكان رحمه الله قد أوذي من الأفضل الوزير العبيدي ، فأخرج من الإسكندرية ، والزم الإقامة بمصر ، ومنع الناس من الاخذ عنه ، وبقي على ذلك إلى أن قتل الأفضل ، وولي مكانه المأمون بن البطائحي ، فأكرم الشيخ إكراما كثيرا . ( 2 ) " الصلة " : 2 / 575 ، وزاد : قال القاضي أبو بكر : وكان كثيرا ما ينشدنا . ان لله عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا فكروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا